ابن قيم الجوزية
79
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ولهذا يستحب ستره عن العيون ، وتغسيله في قميصه في أحد القولين ، ولمس فخذ الرجل ، إذا قلنا : هي عورة . والمباح : ما لم يكن فيه مفسدة ولا مصلحة دينية . وهذه المراتب أيضا مرتّبة على البطش باليد ، والمشي بالرجل . وأمثلتها لا تخفى . فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله : واجب . وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف . والصحيح : وجوبه ليمكنه من أداء دينه ، ولا يجب لإخراج الزكاة . وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر . والأقوى في الدليل : وجوبه لدخوله في الاستطاعة ، وتمكنه بذلك من أداء النسك . والمشهور عدم وجوبه . ومن البطش الواجب : إعانة المضطر ، ورمي الجمار ، ومباشرة الوضوء والتيمم . والحرام : كقتل النفس التي حرم اللّه قتلها ، ونهب المال المعصوم ، وضرب من لا يحل ضربه ، ونحو ذلك ، وكأنواع اللعب المحرم بالنص كالنّرد ، أو ما هو أشد تحريما منه عند أهل المدينة ، كالشطرنج ، أو مثله عند فقهاء الحديث كأحمد وغيره ، أو دونه عند بعضهم . ونحو كتابة البدع المخالفة للسنة تصنيفا أو نسخا ، إلا مقرونا بردها ونقضها ، وكتابة الزور والظلم ، والحكم الجائر ، والقذف والتشبيب بالنساء الأجانب ، وكتابة ما فيه مضرة على المسلمين في دينهم أو دنياهم ، ولا سيما إن كسبت عليه مالا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [ البقرة : 79 ] وكذلك كتابة المفتي على الفتوى ما يخالف حكم اللّه ورسوله ، إلا أن يكون مجتهدا مخطئا ، فالإثم موضوع عنه . وأما المكروه : فكالعبث واللعب الذي ليس بحرام ، وكتابة ما لا فائدة في كتابته ، ولا منفعة فيه في الدنيا والآخرة . والمستحب : كتابة كل ما فيه منفعة في الدين ، أو مصلحة لمسلم ، والإحسان بيده بأن يعين صانعا ، أو يصنع لأخرق ، أو يفرغ من دلوه في دلو المستسقي ، أو يحمل له على دابته ، أو يمسكها حتى يحمل عليها ، أو يعاونه بيده فيما يحتاج إليه ونحو ذلك . ومنه : لمس الركن بيده في الطواف ، وفي تقبيلها بعد اللمس قولان . والمباح : ما لا مضرة فيه ولا ثواب . وأما المشي الواجب : فالمشي إلى الجمعات والجماعات ، في أصح القولين ، لبضعة وعشرين دليلا ، مذكورة في غير هذا الموضع . والمشي حول البيت للطواف الواجب ، والمشي بين الصفا والمروة بنفسه أو بمركوبه ، والمشي إلى حكم اللّه ورسوله إذا دعي إليه ، والمشي إلى صلة رحمه ، وبر والديه ، والمشي إلى مجالس العلم الواجب طلبه وتعلمه ، والمشي إلى الحج إذا قربت المسافة ولم يكن عليه فيه ضرر . والحرام : المشي إلى معصية اللّه ، وهو من رجل الشيطان . قال تعالى : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ [ الإسراء : 64 ] قال مقاتل : استعن عليهم بركبان جندك ومشاتهم . فكل راكب وماش في معصية اللّه فهو من جند إبليس . وكذلك تتعلق هذه الأحكام الخمس بالركوب أيضا .